اسماعيل بن محمد القونوي
55
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الجنة من النعم لا تشاركها النعم الدنيوية في تمام حقيقتها فذكر الأزواج لبيان أنها مطهرة مما ابتلي به النساء في الدنيا فإن الكدورات في نساء الدنيا أكثر فالتنبيه على أن نساء الآخرة على خلافهن كان أهم بخلاف سائر النعم وأيضا النساء من جنس ما يشتهونه في الدنيا فذكرت لبيان أن حالها مخالفة للنساء اللاتي تشتهونها في الدنيا فلذا خصت بالذكر من بين النعم التي تفهم من ذكر الجنة وأما في سورة البقرة لما كان ذكر بعض النعم من المطاعم مؤديا إلى ذكر الأزواج فلا جرم أنها ذكرها عقيبه ثم ذكر الخلود تتميما للمسرة على أن التفنن في البيان من شعب البلاغة عند أرباب البيان وأيضا تأخير الخلود هنا لرعاية الفاصلة : وَرِضْوانٌ التنوين للتعظيم مِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف صفة له ولا محذور في تعلقه برضوان وهذا أبلغ من رضوان اللّه لأن فيه إطنابا وتشويقا والرضوان أكبر لأنه المبدأ لكل سعادة فاختلف في أن أكبر أصناف الكرامة هل هو رؤية اللّه تعالى أم الرضوان فالظاهر اللقاء أعظم أنواع الكرامات في دار المثوبات وسيجيء التفصيل إن شاء اللّه تعالى في سورة التوبة في قوله تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 172 ] قيل الرضاء الفيوض المعنوية الفائضة على الأرواح ولا جرم أنه أعلى من الجنات التي هي عبارة عن الفيوض الصورية المتعلقة بالأجسام فاللقاء من مستلذات الأرواح فلا ريب أنه أعظم من جميع النعم . قوله : ( قرأ عاصم بضم الراء وهما لغتان ) . قوله : ( أي بأعمالهم ) أي قصدت المبالغة وذكر بالعباد وأريد الأعمال كتابة والأعمال ليست بأسرها من قبيل المبصرات بل بعضه مبصر فالمراد العلم الذي يشابه المشاهد في التيقن والاطمئنان ومن هذا اختير هذا من بين الأوصاف . قوله : ( فيثيب المحسن ويعاقب المسئ ) فالعباد عام للأبرار والفجار إذ اللام للاستغراق وأشار بهذا التفسير إلى أن المراد لازمه . قوله : ( أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات ) فالعباد خاص والقرينة على العهدية ما سبق وما لحق قدم الأول لأن العموم هو الأصل ويدخل فيه المتقون دخولا أوليا فلا وجه للتخصيص . قوله : ( وقد نبه بهذه الآية على نعمه ) أي آية زين للناس إلى هنا والتعبير بالإفراد لأن المراد بالآية الجنس أو الآية الثانية كالتتميم للآية الأولى لأنها بيان حسن المآب وجزئية من متاع الدنيا . قوله : ( فأدناها متاع الحياة الدنيا ) عده من النعم لما سبق من قوله أو لأنه وسيلة إلى قوله : بضم الراء أما الضم فهو لغة قيس وتميم قال الفراء يقال رضيت رضاء ورضوانا والرضوان بالضم مثل الرجحان والطغيان والكفران والشكران وبالكسر كالحرمان والقربان والنسيان والخذلان . قوله : أو بأحوال الذين اتقوا فعلى هذا يكون اللام في العباد للعهد والمعهود من تقدم ذكرهم وهم الذين اتقوا وعلى الأول للجنس ولذا عم تفسيره بقوله فيثيب المحسن ويعاقب المسئ . قوله : فأدناها متاع الدنيا وأعلاها رضوان اللّه قال المتكلمون الثواب له ركنان أحدهما